1. تخطي إلى المحتوى
  2. تخطي إلى القائمة الرئيسية
  3. تخطي إلى المزيد من صفحات DW

مكرمة للمهاجرين والمهجرين

غازي عزيزة١١ أبريل ٢٠١٤

كتب غازي عزيزة: " قامت الحكومة العراقية مشكورة بدراسة أسباب التدهور في كافة المجالات الاقتصادية والعلمية والثقافية والاجتماعية والأمنية ، وتبيّن لهم أن من أهم أسباب ذلك هو هجرة الكفاءات العلمية والثقافية والمهنية" .

https://p.dw.com/p/1Bg7o
Irak Begräbnis irakische Soldaten Bagdad 25.04.2013
صورة من: Reuters

قامت الحكومة العراقية مشكورة بدراسة الأسباب الكامنة وراء التدهور الحاصل في كافة المجالات الاقتصادية والعلمية والثقافية والاجتماعية والأمنية ، وتبيّن لهم أن من أهم الاسباب التي أدّت إلى هذا الوضع المأساوي داخل العراق هو هجرة الكفاءات العلمية والثقافية والوطنية والمهنية ، بالإضافة إلى أكثر من ثلاثة ملايين مثقف عراقي ممّن يقرأ ويكتب أو يحمل شهادة الابتدائية أو المتوسطة أو الثانوية أو الدبلوم أو البكالوريوس ، وهم أللذين نزحوا من البلاد خلال العشرة سنوات الماضية لاستهدافهم كنخب علمية أو وطنية أو لأسباب طائفية أو تكفير للأديان الأخرى والإرهاب وغيرها .

وقد منحت حكومتنا المؤقرة مكرمة عظيمة وقيّمة لهم ، وكان الغرض الوحيد منها هو استقطاب هذه الكفاءات والمواطنين وعودتهم إلى أرض الوطن العزيز وبأسلوب وطريقة حديثة ونادرة ! ، وشملت المكرمة كافة العراقيين في الخارج وبضمنهم من عمل في النظام السابق بمناصب مهمة في الدولة أو كان بدرجة عليا في حزب البعث آنذاك .

وبادرت بعثتنا الدبلوماسية العراقية في المانيا بعقد الندوات مع الجالية العراقية في عدة مدن ألمانية لزف البشرى للمهجّرين بهذه المكرمة السخيّة ، والتي تدلل على حرص الدولة على مستقبل وراحة روح المغتربين والمهجرين وشمولهم بخيرات العراق من عائدات النفط ومن تخصيصات ميزانية الدولة الانفجارية لعام 2014 .

ففي الساعة الخامسة من مساء يوم 28 آذار 2014 عقدت ندوة في منتدى تجمع أكراد كردستان في مدينة نورنبيرغ الألمانية وبرعاية سعادة القنصل العراقي العام في ألمانيا الاتحادية ومجموعة من موظفي السفارة والقنصلية العامة ، وحضرها العديد من المهجّرين والمقيمين العراقيين ، حيث نوّه سعادة القنصل العام ببشرى سيزفها للحاضرين بعد إلقاء كلمته وإرشاداته حول تسهيل إنجاز معاملات المواطنين الضرورية ومنها إصدار و تجديد الجوازات وتنظيم الوكالات وشهادات الحياة وغيرها ، وقبل أن يزف البشرى بدأ الهمس واللمز بين الجالسين وتخمينهم وتوقعاتهم لنوع المكرمة ، فمنهم من توقع صرف راتب شهري للعاطلين إسوةً بمن احتسبت لهم خدمة جهادية واستلموا رواتب متراكمة منذ هروبهم من الخدمة العسكرية في ثمانينات القرن الماضي ولحد الآن ، مع منحهم قطعة أرض سكنية في مسقط رأسهم في العراق أو مبلغ قدره ثلاثة وثمانون مليون دينار عراقي كبديل في حالة عدم توفر الأراضي السكنية في البعض من محافظاتهم وهذه المكرمة لا زالت سارية المفعول لحد الآن ولكنها تمنح لمن يثبت ولاؤه أو انتماؤه لبعض الأحزاب الدينية الحاكمة فقط ! .

من الحضور من توقع افتتاح مدارس عراقية لتعليم أطفالنا اللغة العربية وتأريخ وحضارة العراق أو السعي لمعادلة شهادات الشباب العراقي المثقّف والعاطلين عن العمل و و و .. أما أنا فكان حدسي باحتمال صدور قرار مشابه لما اتخذته حكومة كردستان الموقرة بعد 2003 والقاضي ب ( عفى ألله عن ما سلف ) ، وذلك بغية استقطاب الكفاءات العلمية والوطنية وتأمين الحماية لهم للمشاركة في بناء وإنقاذ الوطن من براثن التخلف والتدهور والانحطاط والفساد ، والتي أبعدت البلد بمسافات طويلة عن مستوى تقدم وتطوّر شعوب ودول العالم الثالث .

البشرى الجنائزية

وبعد انتهاء كلمته وإجابته على أسئلة واستفسارات البعض من الحاضرين قال سعادته : الآن أزفُّ لكم البشرى ، فصمت الجميع لسماع البشرى ، وكلُّ منا سارح في خياله عن نوع المكرمة وحجمها لكي تنقذه من الوضع الذي هو فيه من جراء معاناة الإغراب وصعوبة الحياة ومشاكلها ، ثم بشّر سعادته : لقد منحت الحكومة العراقية مكرمة كبيرة لكافة العراقيين بمختلف قومياتهم وأديانهم ومعتقداتهم من المقيمين في دول العالم ، وهي بطاقة سفر لنقلهم من دول المهجر إلى العراق وعلى طائرات الخطوط الجوية العراقية مجاناً ، بشرط ( وفاتهم ووضعهم بصناديق الموتى ( التوابيت ) ! ) .

صعق الجميع من هول الصدمة وخابت آمالنا وعقدت ألسنتنا واقشعرت أبداننا ، ولا تسمع في قاعة الندوة سوى جملة حسبنا ألله ونعم الوكيل .

في تحليلي الشخصي وقراءتي لوجهة نظر مسؤولي الحكومة والدولة اللذين إقترحوا وشرعوا وعمموا مثل هذه المكرمة على سفاراتنا وقنصلياتنا ، فإنني أرى أن فيها فائدة وجدوى إقتصادية لصالح وزارة النقل العراقية فقط ، فكلنا يعلم أن طائرات الخطوط الجوية العراقية تغادر مطارات العراق وهي ممتلئة بالركاب (مقبطة) ومحملة بالحقائب الثقيلة ، وعند العودة تكون أغلب مقاعدها خالية (ماكو عبرية) ، والسبب هو أن في المغادرة يكون هنالك نسبة 35% من الركاب يغادرون ولا يعودون للعراق ومن صنفين ، الصنف الأول هم المهاجرين من المسيحيين والصابئة واليزيدية والذين لا زالوا يتوافدون كلاجئين في دول العالم لحد الآن لسبب أو لآخر ، والصنف الثاني هم الهاربين بأموال الدولة من عوائل وأبناء مسؤولي الحكومة والبرلمان ورئاسة الجمهورية وقادة القوات المسلحة والأمنية ، والمتهمين بالفساد المالي والإداري ومن مستوى رئيس ملاحظين فما فوق .

والحقيقة هي عند نقل المرحوم العراقي مجاناً فمن غير المعقول أن يسافر لوحده ! فعلى أقل تقدير سيرافق نعشه ما بين 6 إلى 10 مشيعين من أهله وأصدقائه ، وسيقتنون بطاقات السفر على الخطوط الجوية العراقية ذهاباً وإياباً وبسعرها الإعتيادي ، وطبعاً لن يكون المشيعين محملين بالحقائب الثقيلة او الهداية لكون مكوثهم في العراق لن يزيد عن إسبوع واحد على أكثر تقدير ، وسيكون وزن التابوت أقل من مجموع الأوزان المسموح بها لحقائب المشيعين ، ومن هذا المنظور لا يعتبر قرار نقل النعش مجاناً إلى العراق مكرمة للمرحوم أو لعائلته ، وإنما إسلوب لزيادة سرقات الخطوط الجوية العراقية ووزارة النقل على وجه التحديد .

وأدعوا جميع الإخوة العراقيين في الخارج الاتصال بالسفارة أو القنصلية العراقية في بلدان المهجر العربية والأجنبية للسؤال والتحقق عن صحة صدور هذه المكرمة البائسة .