العرب والمحرقة النازية: هذا هو عنوان الدارسة التي ألفها جلبير الأشقر بالفرنسية، ويتناول فيها موقف العرب من المحرقة منذ حدوثها حتى اليوم. الكتاب صدرت ترجمته العربية حديثاً، ويعتبر أول دراسة عربية شاملة تتناول هذا الموضوع.
غلاف الطبعة العربية من كتاب جلبير الأشقر
أسئلة عديدة يثيرها الباحث اللبناني الأصل جلبير الأشقر في دراسته الأكاديمية التي صدرت بالفرنسية لدى دار "أكت سود" قبل أن تترجم حديثاً إلى الانكليزية والعربية. وتبدأ هذه الأسئلة من العنوان نفسه: "العرب والمحرقة النازية – حرب المرويات العربية الإسرائيلية ". هل يقصد الباحث أن العرب شاركوا في إبادة اليهود وتعاونوا مع النازيين في المحرقة؟ وما حجم تلك المساهمة إن كانت قد حدثت؟ وما حقيقة الدور الذي لعبه مفتي القدس آنذاك أمين الحسيني؟ أم أن المقصود أن بعض العرب كانوا أيضاً ضحايا للهولوكوست؟ ولماذا ينكر البعض في العالم العربي حدوث المحرقة أو يشككون في عدد الضحايا؟ هذه وغيرها هي الأسئلة التي يجيب عليها الأشقر في دراسته الموضوعية الرصينة التي صدرت ترجمتها العربية عن المركز القومي للترجمة بالقاهرة ودار الساقي البيروتية. وقد يكون هذا الكتاب هو أول دراسة شاملة يقوم بها مؤرخ عربي لتوضيح علاقة العرب – على اختلافهم – بالمحرقة. وهي دراسة تعتبرها الباحثة أولريكة فرايتاغ، مديرة معهد الشرق الحديث في برلين، "دراسة مهمة جداً، نظراً للمعلومات الواردة فيها من ناحية، ومن ناحية أخرى لكي تبدأ مناقشة الموضوع في العالم العربي".
"العرب" لا وجود لهم
جلبير الأشقر: مؤلف الدراسة والباحث بمعهد الدراسات الشرقية والإفريقية في لندن
العرب غير موجودين"، هكذا يقول جلبير الأشقر في مستهل كتابة، ويضيف: "غير موجودين كذات سياسية أو إي ديولوجية متجانسة". رغم ذلك هناك دراسات عديدة تتحدث عن "العرب"، مثلما تتحدث عن "المسلمين" و"اليهود"، وهو أمر – يقول الأشقر – "لا وجود له إلا في الخيال". ولذلك يسعى الأشقر إلى توضيح تباين مواقف "العرب" من النازية والصهيونية. ويقسم الأشقر المواقف العربية من المحرقة النازية إلى أربعة تيارات مختلفة، وهي: الموقف الليبرالي، والماركسي، والقومي، والسلفي، موضحاً أن تلك المواقف تراوحت بين الإدانة الصريحة للنازية من ناحية، والمعاداة الصريحة لليهود من ناحية ثانية. فقد تبنى الليبراليون والماركسيون موقفا واضحاً إزاء المحرقة، حيث أدانوها وأكدوا على التفريق بين اليهودية والحركة الصهيونية؛ في حين أُعجب بعض القوميين العرب بالنموذج النازي والفاشي وسعى إلى اقتباسه، أما التيار السلفي فقد تبنى خطاباً معادياً لليهود مستنداً على تفسيراته الخاصة لبعض الآيات القرآنية إضافة إلى نصوص معادية للسامية مثل بروتوكولات حكماء صهيون.
ويحاول الأشقر في كتابه تجاوز ما يسميه بـ"الصيغ الكاريكاتورية" وتصحيح الصور النمطية التي تحيط بهذا الموضوع، ومنها مثلاً اتهام العرب بالتورط المباشر مع النازية، وبالتالي المشاركة في المحرقة. ويعلل المؤيدون لهذه النظرية ذلك بالعلاقة الوثيقة التي ربطت مفتى القدس آنذاك، أمين الحسيني، بقادة النازية وعلى رأسهم أدولف هتلر، معتبرين أن موقف الحسيني يثبت تورطه المباشر في عملية الإبادة المنهجية التي تعرض لها اليهود؛ كما يرون أن موقفه ينسحب على موقف معظم العرب.
وضع المفتي في سياقه التاريخي
مفتي القدس أمين الحسيني
في حديثه مع موقعنا يوضح جلبير الأشقر أن تعاون المفتي مع ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشستية خلال الحرب العالمية الثانية "موثق ومعروف"، كما أنه من المعروف أيضاً أن المفتي "قام بدور مهم في الدعاية للنازية والفاشستية في العالمين العربي والإسلامي، واشترك في الحملة العنصرية النازية ضد اليهود، وساهم في إنشاء كتيبتين من المسلمين في البوسنة ليحاربوا مع القوات النازية". غير أن هذا الدور، يقول الأشقر، كان محدود التأثير وموضع إدانة – حتى آنذاك - من جانب بعض القوميين العرب.
هذا الرأي تؤيده أولريكه فرايتاغ التي تقول "إن المهم جداً أن نفهم المفتي في سياقه التاريخي"، كما أنه من المهم التفرقة بين موقف الفلسطينيين الذين عانوا من الهجرة اليهودية إلى وطنهم، وبين مواقف العرب في الدول المجاورة لفلسطين أو في الجزيرة العربية أو في المغرب. وتشير فرايتاغ إلى أن "أقلية من العرب" كانت تشارك المفتي آنذاك آراءه المؤيدة للنازية. هذا ما يدفع الأشقر إلى انتقاد "المبالغة الشديدة" التي يُصور بها دور أمين الحسيني، مشيراً إلى أن موسوعة الهولوكوست التي أصدرها متحف "ياد فاشيم" في إسرائيل تخصص لمفتى القدس ثاني أطول مقالة بعد هتلر، وكأنه يتحمل مسؤولية مباشرة عن المحرقة.
فلسطينيون ومغاربة يحاربون مع الحلفاء ضد النازيين
عدد كبير من الفلسطينيين والمغاربة حاربوا في صفوف الحلفاء ضد القوات النازية
وكمثال على ذلك يذكر الأشقر أن عدد العرب الذين حاربوا في صفوف المحور النازي الفاشستي لم يكن يتعدى ستة آلاف وبضع مئات، بينما كان عدد الفلسطينيين وحدهم الذين حاربوا في صفوف الجيش البريطاني ضد النازيين – وليس عدد العرب جميعاً – يصل إلى تسعة آلاف. فإذا أخذنا عدد العرب من كافة الأقطار العربية في الحسبان، فسنصل إلى رقم كبير؛ مثلاً كان هناك ربع مليون من المغاربة العرب والبربر الذين شاركوا مع القوات الفرنسية الديغولية. "هذا يبين"، يقول الأشقر، "أن صدى الدعاية التي قام بها المفتي كان ضئيلاً جداً. هناك كتب تصدر بكافة اللغات تريد أن تقنعنا أن العرب كانوا أنصاراً للنازية، وهذا افتراء". لكن الأشقر يدين في الوقت ذاته "التواطؤ الإجرامي" الذي جمع المفتي مع النازيين.
وحول هذه النقطة تقول فرايتاغ: "لا بد أن نقول إن المحرقة جريمة ألمانية، وليست جريمة العرب أو الغير". وتؤكد الباحثة الألمانية أن التعاون السياسي خلال وجود المفتي في أوروبا كان بالفعل محدوداً، حتى بالمقارنة بتأثير كثير من الساسة، وتضيف قائلة: "صحيح أن المفتي يتفاخر بتجنيد الكثيرين من المسلمين إلى جانب ألمانيا، ولكن هذا الكلام غير صحيح. المفتي كان يؤيد النازية، ولكنه لم يكن من المسؤولين عن الهولوكوست."